الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
140
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
ثمّ أقبل النبيّ صلى اللّه عليه وآله على مشركي العرب ، فقال : وأنتم لم عبدتم الأصنام من دون اللّه تعالى فقالوا : نتقرّب بذلك إلى اللّه تعالى . قال : وهي سامعة مطيعة لربّها عابدة له حتّى تتقرّبوا بتعظيمها إلى اللّه تعالى قالوا : لا . قال : فأنتم الّذين نحتّموها بأيديكم ، فلئن تعبدكم هي - لو كان يجوز منها العبادة - أحرى من أن تعبدوها ، إذ لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم وعواقبكم ، والحكيم في ما يكلّفكم . فلمّا قال النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم هذا اختلفوا ، فقال بعضهم : إنّ اللّه قد حلّ في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة فصوّرنا هذه الصور نعظّمها لتعظيمنا تلك الصورة التي حلّ فيها ربّنا . وقال آخرون منهم : إنّ هذه صور أقوام سلفوا كانوا مطيعين للهّ قبلنا فمثّلنا صورهم وعبدناها تعظيما . وقال آخرون منهم : إنّ اللّه لمّا خلق آدم وآمر الملائكة بالسجود لأدم تقرّبا إلى اللّه ، وكما أمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكّة ففعلتم ، ثمّ نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها وقصدتم الكعبة لا محاريبكم ، وقصدكم للكعبة إلى اللّه لا إليها . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم للّذين قالوا : إنّ اللّه حلّ في هياكل رجال كانوا على هذه الصور الّتي صوّرناها : فقد وصفتم ربّكم بصفة المخلوقات ، أو يحلّ ربّكم في شيء حتّى يحيط به ذلك الشيء فأيّ فرق بينه إذن وبين سائر ما يحلّ فيه ، من لونه وطعمه ورائحته ولينه وخشونته وثقله وخفتّه ولم صار هذا المحلول فيه محدثا ، وذلك قديما دون أن يكون ذلك محدثا وهذا قديما وكيف يحتاج إلى المحالّ من لم يزل قبل المحالّ ، وهو عزّ وجلّ لم يزل وإذا وصفتموه بصفات المحدثات في الحلول ، فقد لزمكم أن تصفوه بالزوال ، وما وصفتموه بالزوال والحدوث فصفوه بالفناء ، لأنّ ذلك أجمع من صفات الحالّ والمحلول فيه وجميع ذلك يغيّر الذات ، فإن كان لم يتغيّر ذات الباري تعالى